الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

392

تفسير روح البيان

فقال أحييناها والاحياء في الحقيقة إعطاء الحياة وهي صفة تقتضى الحس والحركة والمعنى هاهنا هيجنا القوى النامية فيها وأحدثنا نضارتها بأنواع النباتات في وقت الربيع بانزال الماء من بحر الحياة وكذلك النشور فانا نحيى الأبدان البالية المتلاشية في الأجداث بانزال ورشحات من بحر الجود فنعيدهم احياء كما ابدعناهم أولا من العدم وَأَخْرَجْنا مِنْها اى من الأرض حَبًّا الحب الذي يطحن والبزر الذي يعصر منه الدهن وهو جمع حبة والمراد جنس الحبوب التي تصلح قواما للناس من الأرز والذرة والحنطة وغيرها فَمِنْهُ اى فمن الحب يَأْكُلُونَ تقديم الصلة ليس لحصر جنس المأكول في الحب حتى يلزم ان لا يؤكل غيره بل هو لحصر معظم المأكول فيه فان الحب معظم ما يؤكل ويعاش به ومنه صلاح الانس حتى إذا قلّ قلّ الصلاح وكثر الضر والصياح وإذا فقد فقد النجاح باختلال الأشباح والأرواح ولامر ما قال عليه السلام ( أكرموا الخبز فان اللّه أكرمه فمن أكرم الخبز أكرمه اللّه ) وقال عليه السلام ( أكرموا الخبز فان اللّه سخر له بركات السماوات والأرض والحديد والبقر وابن آدم ولا تسندوا القصعة بالخبز فإنه ما اهانه قوم الا ابتلاهم اللّه بالجوع ) وقال عليه السلام ( اللهم متعنا بالإسلام وبالخبز فلو لا الخبز ما صمنا ولا صلينا ولا حججنا ولا غزونا وارزقنا الخبز والحنطة ) كما في بحر العلوم قال في شرعة الإسلام ويكرم الخبز بأقصى ما يمكن فإنه يعمل في كل لقمة يأكلها الإنسان من الخبز ثلاثمائة وستون صانعا أولهم ميكائيل الذي يكيل الماء من خزانة الرحمة ثم الملائكة التي تزجر السحاب والشمس والقمر والأفلاك وملائكة الهواء ودواب الأرض وآخرهم الخباز : قال الشيخ سعدى قدس سره ابر وباد ومه وخورشيد وفلك در كارند * تا تو نانى بكف آرى وبغفلت نخورى همه از بهر تو سر كشته وفرمان بردار * شرط انصاف نباشد كه تو فرمان نبرى ومن إكرام الخبز ان يلتقط الكسرة من الأرض وان قلت فيأكلها تعظيما لنعمة اللّه تعالى وفي الحديث ( من أكل ما يسقط من المائدة عاش في وسعة وعوفي في ولده وولد ولده من الحمق ) ويقال إن التقاط الفتات مهور الحور العين ولا يضع القصعة على الخبز ولا غيرها الا ما يؤكل به من الادام . ويكره مسح الأصابع والسكين بالخبز الا إذا أكله بعده وكذا يكره وضع الخبز جنب القصعة لتستوى . وكذا يكره أكل وجه الخبز أو جوفه ورمى باقيه لما في كل ذلك من الاستخفاف بالخبز والاستخفاف بالخبز يورث الغلاء والقحط كذا في شرح النقاية والعوارف - وذكر - ان الأرز خلق من عرق النبي عليه السلام . زعم بعضهم ان أهل الهند لما منعوا من إخراجه إلى الروم أطعموه البط ثم ذبحوه فأخرجوه خيفة منهم بهذه الحيلة قال بعض الكبار من لم يأكل الأرز بهذا الزعم فليأكل السم وَجَعَلْنا فِيها وخلقنا في الأرض جَنَّاتٍ بساتين مملوءة مِنْ نَخِيلٍ جمع نخلة وَأَعْنابٍ جمع عنب اى من أنواع النخل والعنب ولذلك جمعا دون الحب فان الدال على الجنس مشعر بالاختلاف ولا كذلك الدال على الأنواع فان قلت لم ذكر النخيل دون التمور حتى يطابق الحب والأعناب في كونها مأكولة لان التمور والحب والأعناب كلها مأكولة دون النخيل قلت لاختصاص شجرها بمزيد النفع وآثار الصنع